الأحد، 29 أبريل 2012

الجماعات الادبية المستقلة الجديدة في ميزان النقاد

 التفاصيل بالكامل
http://www.altekeya.com/vb/showthread.php?p=185760#post185760

الملخص: استضاف المجلس الاعلى للثقافة ولجنة النقد والدراسات بالمجلس جماعتي التكية والنيل الادبيتين كنموذجين للجماعات الادبية المستقلة التي نشأت كظاهرة في السنوات الاخيرة بين الكتاب الشباب
ادار الحوار د-محمود الضبع ود-سيد فضل
دار الحوار حول دور هذه الجماعات ومدى تاثيرها وفائدتها لللكتاب الشباب وهو ما وضحه الكتاب باهميتها في التآزر امام مشاكل النشر والتسويق والدعاية والتطوير والاحتكاك المفيد للموهوبين الجدد
كذلك حول ما اذا كان الافضل هو الشكل التاريخي للجماعة كالتقاء متخصص لمبدعين يحملون نفس الفكر او الاهتمام الادبي (وهو ما تعد جماعة النيل اقرب له ويعتبر النموذج الاكثر تأثيرا في الادب) ام الشكل المفتوح كتحالف بين الكتاب الشباب من مختلف اللاافكار والتخصصات كما هو الحال مع اغلب الجماعات التي ظهرت اخيرا (والتكية نموذج لها وان كانت تتبنى بعض المشروعات ذات الصيغة الخاصة كتبنيها الاخير لمشروع ادب الخيال ذو الصبغة المحلية)
تعرض الحوار لانتاج الجماعتين (عدد من الدواوين لاعضاء جماعة النيل ونماذج للقصة والرواية والشعر والادب الساخر من جماعة التكية)
حضر عدد من كتاب الجماعتين منهم د-زينب رئيسة جماعة النيل ودايمان الدواخلي عن جماعة التكية ومن النقاد أ. سيد الةكيل -د-شريف الجيار- أ. محمد قنديل

بيت التائهين: بيت الارواح ومروان اول السباعية


صدر أخيرا عن دار كتب الجنوبي (سبوك) مجموعة من الملاحم العربية ضمن مشروع طموح لعمل ادب كوميكس عربي معتمد على الهوية العربية والتراث العربي
ما يخصني هو ملحمة بيت التائهين والتي صدر الكتاب الاول من سبعة فيها بعنوان مروان
المشروع بدأه الفنان المتميز محمد الجنوبي, وهو فنان مصري رقيق مغترب يعيش في امريكا. ادهشه مثل غيره هذا الحجم الضخم لفن الكومكيس في امريكا مقارنة بالحجم الضئيل جدا في مصر.
بدأ الرجل يحاول التواصل مع عدد من الموهبين العرب عن طريق الانترنت. ولأنه يحمل خصوصية في مشروعه ان يكون معتمدا على التراث العربي فقد التقى بمجموعة من الكتاب المهتمين بنفس الفكرة في ادب الفانتازيا. اذكر منهم د-احمد خشبة (الذي كان همزة الوصل معي) والصديق المغربي الجميل عبدج العزيز ابو الميراث وغيرهم.
تواصل معي أ. محمد الجنوبي في البداية كان التفكير حول روايتي الضخمة من حكايات الغول الاحمر الاخير التي كنت استعد لنشرها مع احد دور النشر. كبر حجمها وخوفا من عرقلة الامر لموضوع النشر جعلاني ابعدها  عن المشروع ومحاولة البدأ بعمل قصير هو قصتي (بيت الارواح)
وبيت الارواح كانت عملا خرافيا يعتمد على الخيال الجامح في اطار عربي خالص. كتبتها ضمن مسابقة بنفس الاسم في منتدى هاري بوتر العربي هي من افضل ما دخلته من مساباقات على المنتديات الادبية من حيث التحكيم او النقد الموجه للاعمال او الفكرة. ودخلت المسابقة متحديا مختالا ان وضعت قصتي بنفس اسم المسابقة (المأخوذ اصلا من اسم رواية لاتينية شهيرة جدا) لتحقق فوزا اسعدني
بدأت مع أ. محمد محاولا تحويل العمل السردي الى سينناريو صالح للكوميكس. لاكتش انها مهمة غاية الصعوبة خصوصا في كتابتي المختزلة السريعة الايقاع قليلة الوصف. كان عملا شاقا لدرجة انني تخليت عنه واسند أ. محمد هذه المهمة للموهوبين بحق ايهاب مصطفى وعصام راسم
أتم الصديقين مهمة تحويل العمل الى سيناريو تم تقسيمه الى سبع فصول الاول فيها يعد قصة منفصلة هي الخلفية التاريخية للعمل وهو (مروان)
بعد ذلك كانت تلك المهمة الشاقة في البحث عن الرسام ومتابعته وانتاج الكتاب ثم السعي للطباعة والتجهيز بشكل لائق ومناسب
استغرقت هذه الرحلة مدة طويلة جدااااااااااااااااا
يكفي ان تعرف ان المراسلة الاولى كانت بتاريخ 17/12/2008
اي منذ ثلاث سنوات ونصف! كان ظهر خلالها بعض المشروعات المشابهة ككوميكس للنشر وحكايات الظلام المحظورة بما يدل ان الفكرة مترسخة في المجتمع الادبي وبدأ الشباب اخيرا يعبر عنها



واخيرا بعد هذا المشوار الطويل الشاق خرج الى االنور اخيرا الجزء الاول من بيت التائهين (الاسم الجديد للعمل للابتعاد عن اسم الرواية الشهيرة بيت الارواح للكاتبة العالمية ايزابيل ايندي ) وكذلك الجزء الاول من ملحمة سيف بن يزن وسيتوفران لدى المكتبات قريبا بإذن الله

الثلاثاء، 31 يناير 2012

كتب متميزة لكتاب جماعة التكية تنتظركم في معرض القاهرة للكتاب 2012

عدد هام من الكتب المتميزة نجدها في المعرض هذا العام. كتب اترقبها من مدة, اغلبها في دار اكتب وبعضها في دار ليلى لمجموعة من الكتاب الذين اقدر قلمهم  كثيرا

مع أهم الأعمال الفانتازية لعام 2011/2012 كتاب فانتازيا الثورة




الكتاب هو الاعمال الفائزة بمسابقة التكية لادب الفانتازيا ذو الصبغة المحلية الدورة الثانية والمسابقة سنوية لتشجيع الاقلام الجديدة والمواهب الشابة المحبة لادب الفانتازيا وتشجيع الهوية المحلية في هذا اللون الذي يغلب عليه التغريب. تنظمها جماعة التكية ويحكمها الناقد الكبير د-سيد البحراوي استاذ الادب العربي الحديث الرئيس الاسبق لقسم اللغة العربية في كلية آداب القاهرة
التيمة او المحور الذي تدور حوله الاعمال هو مفهوم الثورة بشكل عام. وان كانت الاعمال  الفائزة في مجملها ركزت على ثورة 25يناير تحديدا




ونظل مع الفانتازيا وكتاب صانع الهذب, هذه المجموعة التي تشرفت بالمشاركة في الاعداد لها ضمن مسابقة داخلية لاعضاء منتدى التكية ضمن موسم الفانتازيا المحلية الذي اعلن منذ العام الماضي, الكتاب يتصدرهع اعمال الكاتب المغرب الشاب عبد العزيز ابو الميراث القاص البارع والصديق الرائع





يتضمن الكتاب أعمال 6من الموهبين من عبد العزيز ابو الميراث ومؤمن وهدان وولاء نص ومصطفى اليماني
وقدم للكتاب د-احمد خشبة


وقبل أن نغادر الفانتازيا لا ننسى روايتي وملحمتي من حكايات الغول الأحمر الأخير تتوافر بإذن الله من بعد غد في جناح دار اكتب


التدوينتين السابقتين بهما تفاصيل عن الكتاب 




ثم نذهب لفانتازيا سياسية ذات طابع خاص, الطبعة الثانية من الرواية الناجحة زيوس يجب ان يموت للكاتب احمد الملواني كعدد اول لسلسلة فانتازيا البتكية ودار اكتب





ننتقل إلى عالم الرعب

ومع اعذريني ومخاوف أخرى المجموعة المتميزة التي جمعتني مع حسن الجندي وعلاء محمود وعبد العزيز ابو الميراث وشيماء السيوفي وعدد آخر من الاقلام التي بدأت تلمع وتثبت نفسها في هذا اللون الادب


مازالت المجموعة متوفرة في دار اكتب
 
 
 
ومع كاتبي الرعب الصاعدين بقوة حسن الجندي وعلاء محمود, يتقاسمان حفل توقيع يوم الجمعة القادم 3فبراير الساعة 4 عصرا لكتبهما في جناح دار  اكتب
الجزار والمرتد لحسن الجندي وخطوات ليلية لعلاء محمود


حفل توقيع يجمع عدد من كتابنا المتميزين 
 
 هناك خلف الظلام لولاء نصر, كتاب متميز يحاول جمع تراث الرعب المعاصر في المجتمع المصري, قصص واقعية من مختلف انحاء مصر, فاساطير الاشباح ليست حكرا على الغرب فقط هي لم تجد عندنا من يسجلها من قبل
 
 
 
 
ومع الخيال العلمي 

والكاتب الرائع أحمد فريد ومجموعته (رأيت الجنة) صراحة انا متشوق بشدة لرهذه المجموعة فاحمد يملك قلما فريدا, وهو واحد من كتاب الخيال العلمي النادرين الذين يكتبون خيالا علميا حقيقيا, يناقش الفكرة العلمية ذاتها حيث تكون محور الكتاب وليست مجرد اطار لفكرة اجتماعية ما. وهو يملك قلما بديعا ملفتا للانتباه  رغم حداثة سنة

رأيت الجنة من اصدارات دار ليلى



ومع رواية مشابهة لخط احمد فريد في مناقشة الفكرة العلمية ونتائجها على المجتمع برغم ان كاتبتها لها خط مختلف تماما رواية الأمة تلد لد-ايمان الدواخلي 
 د-ايمان تركز على الادب الاجتماعي كثيرا ولا تخرج هذه الرواية عن هذا الخط برغم مناقشتها لمسالة تاجير الارحام كقضية علمية اصبح لها وجود في عالمنا. الرواية تقتحم منطقة لم تعالج في الادب العربي رغم حضورها ورغم وجودها في التراث الديني (حيث تلد الامة ربتها من علامات الساعة)



الى جانب الامة تلد هناك مجموعة قصصية اجتماعية جمع تكسير ورواية اجتماعية:/ غادة

أخيرا مع سلسلة كوكتيل اكتب إنهم بيننا, لن اتحدث كثيرا عن الكتاب لانه اصلا ينفد من الاسواق فور نزوله


الجمعة، 27 يناير 2012

حكاية الأميرة سارة: من فصول روايتي من حكايات الغول الأحمر الأخير

فصل من روايتي من حكايات الغول الأحمر الأخير
تجدون الكتاب في جناح دار اكتب بمعرض الكتاب من يوم 1فبراير بإذن الله
عن الرواية:

http://www.facebook.com/notes/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A/%D8%B9%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1/10150512958114667


الصفحة الرسمية للرواية
http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%AD%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1/173523612701366
44 . حكاية الأميرة سارة
يقول عبد الشهيد ابن سمعان: قرأت ما كتبت الأميرة سارة فإذا بها تقول:
كنت ضائعة في قصري. مفقودة لا يبحث عني أحد, لا أعلم شيئا مما فيه ولا يدري بي أحدا ممن فيه.
كنت فتاة ولدت في قصر أمير. يا للتعاسة فهي لا تملك من الجمال شيئا تميل به قلوب الرجال. فكنت لوالدي الأمير الثري عدنان تجارة راكدة. لا أنا بالولد الذي يعينه أو بالجميلة التي يزوجها لحليف ينصره.
بين نساء القصر كنت ابنة الجارية. وكانت تلك الجارية ببصيرتها النافذة تحس بمصيبتي قبل أن أدركها لذا فعندما كنت أشكو لها عسري في القراءة تقسو عليّ وتقول "يا بنية. ليس لك سواه. يجب أن تكتبي وتقرأي وتتعلمي."
أرد والدموع مرة في فمي "لم يا أماه؟ أنت لا تقرأين وحتى مولاتي الأميرة فاطمة لا تقرأ."
كان علينا أن نخاطب زوجة أبي بمولاتي دوما سواء كنا عبيده أو أبناؤه من غيرها.
ترد أمي بحزم "يا ابنتي اعلمي قدرك. بين الأميرات أنت بنت الجارية وبين النساء قبيحة ولن تنالي من مال أبيك شيئا طالما كانت فاطمة وأبناؤها أحياء. لا أملك ما أحفظك به من الضياع إلا هذا. هم أهملوا العلم فعليك بغنيمته."
كانت أمي ترجو أن تراني خير من أقراني. لا أدري هل أملك من الذكاء نصيبا أم لا لكني حتما لا أطاول عقل فاطمة الجبار ومهما فعلت فسأظل في القصر مجرد فتاة. فتاة أدنى من إخوتها نسبا وجمالا.
تلك كانت قيودي وهذه كانت أمي تحاول أن ترفعها عني. كانت العبودية تحرقها فترغب في جعلي حرة. حرة من الجهل ومن ضعف الأنوثة. ومن الحاجة للئام لن ينصروني. فتنظر حولها بقلة حيلتها فلم تر إلا مؤدب الأمراء الذي لهت عنه أخواتي. وعصاه التي توصيه باستعمالها كلما أخطئت!
وهكذا طوال ما كان من حياتها القصيرة مضت طفولتي في قصر أبي. وقبل أن أغادر أطلال الطفولة أتى الهول يحرقها.
يزعمون أنه لولا الأهبال وزعيمهم المسمى بالهول وسيفه الذي كان يفتك بعشرة فرسان بضربة واحدة, لمضى ملك أبائي دهورا أخرى.
لكن هذا في علم الغيب.إذ أذكر من شظايا الطفولة تلك الكلمات عن أن الملك قد أصبح وحيدا لا يقيم ملكه إلا على حفنة الغيلان الحمر التي تجاهره بعدم الإخلاص وتعلن على رؤوس الأشهاد أنه يوم يأتي زعيمهم ليتبوأ العرش فلن يجد من يقف دونه لأن حتى الملك لا يملك إلا جماعة الغيلان الحمر.
عهد عجيب هذا الذي بين الملك وتلك الجماعة. يساعدوه على الحفاظ على ملكه على أن يأخذوه لأنفسهم حينما يريدون. لم أفهم في حمق الطفولة المغزى فقد كان الملك لنا مخلوقا مخيفا جبارا. كان قوة مهولة ترهب آباءنا. الأميرة فاطمة تفزعني لكنها تفزع من الملك!
أذكر حينما كنا نجتمع لوليمة كنا الأطفال نحتشد للهو لا فرق بين أمير وخادم أو بنت ملكة وبنت الجارية إلا الشهابي.
عندما ننظر له ونقترب منه لندعوه معنا ينهرنا آباؤنا ويقولون: إلا الشهابي. هذا ابن ولي العهد وسيرث الملك يوما.
لكن حينما تتابعت الخطوب ظهر أن هذا الملك العظيم ليس إلا رجلا عاجزا أحمقا استعان بأعدائه على إخوته علهم يؤخرون ساعته ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر.
كنت ألهو كعادتي في برج القصر أكسر في بعض من أطباق المطبخ! وأرمق زهور الحديقة البديعة أرنو للهو فيها إن سمحت لي مولاتي فاطمة.
متى كان الوقت؟ أظنه ساعة احتضار الشمس حيث كانت السماء تبكي وأظنها تبكي على النهار الصريع بينما البكاء العظيم يتأهب لغزوي.
سمعت صخبا وجلبة فنظرت من النافذة لأشاهد مشهدا بدا لي مخيفا.
أعداد كبيرة وحشود غاضبة تصيح بالمقت والبغض وهي تحاصر البيت.
لا أدري ماذا فعل أبي ليغضبهم. لم أفهم لم بدا لهم الكره فضيلة, فلم يكن عقلي ليستوعب مثل هذا الحقد الذي ولد من الظلم ليلد الظلمات.
وجدت هرجا ومرجا وسمعت ولولة وصراخا بينما العبيد والجواري يجرين في رعب لا أول له ولا آخر.
كان الناس قد نصحوا أبي بالهرب بنا لكن نفائسه لم تهن عليه وجواهره أثقلت قدمه. فأمر بالصمود وأرسل يطلب عون فرقة من الغيلان الحمر.
قالوا له. لن يصلوا اليوم أبدا وليس عندنا من طعام يكفي حصارا ولو لليلة.
فأمر بإطلاق كل الجواري والعبيد.
هكذا ببساطة طرد حيوات كثيرة لذئاب الموت الجائعة. دوما ما كانوا يتجاهلونني لكني لم أتصور أن ينتزعوا مني أمي ويلقونها خارجا.
ترى هل ظنهم الثوار جنودا يطلبونهم أم أن الحقد أعمى القلوب والأبصار فهاجت الفئوس والسيوف لا تطلب إلا اللحم الممزق.
وأمام عيناي الذاهلتين رأيت طوائف الجواري اللاتي عشت بينهن تؤكل صفا تلو الصف وأمي تصرخ بقلب بي معلق وعين على أخوتها دامعة ويد لنجدتها عاجزة.
لا أدري ما حدث. آخر ما أذكره مشهد أمي ترفع يديها فلا أدري ألتستعطف الظالمين أم لتتقي السيوف أم لتدعو رب المستضعفين.
وأفقت على نفسي أعدو خارج القصر, بل مبتعدة عنه. يغمرني العرق وتتقطع أنفاسي تعبا وفزعا.
أهربت أم حملتني الملائكة فوق الجموع؟ لعلها دعوة أمي الأخيرة أن أنجو وليس بين الله ودعوة المظلوم حجاب.
وجدتني في ساحة لا أعرفها فنظرت خلفي لأرى برج القصر الذي كان مثوى لعبي ومرعى طفولتي يحترق فقلت مذهولة "بيتي. بيتي يحترق. وابيتاه!"
فعرفني أحد المماليك فهتف بمن معه "تلك عدنانية فافتكوا بها."
تصلبت في مكاني لا أدري مهربا وربما لا أريده. لكنهم لم ينالوني أبدا.
كانوا جماعة من الغيلان الحمر استنقذوني من بينهم وأعملوا فيهم السيوف والرماح كأنما هي نار تحرق جنودا من أوراق.
قبلها كنت أكره الغيلان كثيرا. أصحاب الوجوه العابسة والأصوات الصاخبة الذين يخطفون الأطفال من أهلهم لا أدري لعلهم يأكلونهم!
لكن تلك الزمرة كان بقلوبهم شيء من السماحة, وبأحدهم من الشفقة ما يكفي لنجدتي قائلا لأصحابه "أرئيتم تلك الفتاة التعسة. قالت وابيبتاه وليس واقصراه. حزنت على السقف الذي ظللها بدلا من القصر الذي أمتعها."
رد آخر "دعك منها ولنمض."
فرد عليه "وبأي ذنب تقتل تلك البريئة التي لم تبلغ من العمر ما يحبس به الذنوب؟"
رد عليه زميله "ما ذنبها؟ إنها أميرة."
قال الأول "أميرة ؟ هي مجرد فتاة صغيرة لن ترث من الملك الذي ضاع شيئا يا إخوتي."
كان الغيلان ينادون بعضهم بعضا دوما بالإخوة لا أدري لم؟ حينما كنت أصغر سناً كنت أتسائل عن هذا الأب الذي أنجب وربى كل هؤلاء!
لكن أخوتهم الغامضة تلك قد احتضنتني بخير مما فعل أبناء أبي رحمهم الله.
مضوا بي متحيرون وأحدهم يقول وهو ينظر للقصور المنهوبة حولنا "ها قد ضاعت البلاد. واأسفاه! لو علم الغول الأعظم بنبأ تلك الفوضى! كم يكره التفلت فإذا به قد فاض على كل ما عداه."
رد عليه زميله "أتظن ذلك؟ قد كان من أكبر الساعين لهذه الفوضى. ألم يضعف شوكة الملك ثم أعانه على خصومه. اليوم إذ يغزونا الأهبال لم يجدوا من يردهم فضاع كل شيء ومعهم الغول الأعظم نفسه هو والقادة السبعة."
قال الأول "أتصدق تلك الأنباء؟ أحقاً قتله الأهبال؟ يزعمون أن كل إخواننا سيخرجون للثأر من الهول وجنوده."
تدخل شخص آخر في الحديث وهو يسأل بصوت يقطر سخرية "أي إخوان؟ الذين اسموا أنفسهم بالمولودين؟ قد اشتد عودهم وخروجهم حتى لأزعم أنه لم يعد في الغيلان غيرهم هم ومن وقع في حبائل مكرهم. إن هو إلا وقت يسير حتى يخرجوا عن نهج القادة السبعة ويمزقوا كتاب الشجاعة."
رد عليه بصرامة هذا الرجل ذو الشفقة الذي رأف لحالي "الغيلان واحد وان هم شقوا فلا تشق أنت عنهم. لو بقينا هنا فلن يهمنا من هذا الأمر شيئا لأن الهلاك حولنا. لنعقد أمرنا أولا ونعرف ماذا نحن بفاعلين."
رد عليه هذا الساخر "وهل بأيدينا غير أن نخرج الفتاة من الحاضرة وندفعها إلى عجوز فقير تنتفع بما عليها من جوهر وحرير وتنفعها بالمأكل والمأمن؟"
وهكذا مضينا نخرج من المدينة التي يحرق سوادها بعضه بعضا. وكل حين وآخر يبرز لنا جمعا من سفاكين أو نهابين أو من المماليك المتعطشين للدم لكنهم يفروا سريعا ما أن تظهر لهم دروع الغيلان الحمراء.
وعندما توغلنا في الليل انتحوا معي جانبا من أطلال قصر متهدم لم يبق فيه ما يسلب لكي ننال الراحة لكني ما نلت منها شيئا إذ انكمشت على نفسي في ركن حقير انتظر أمل الفجر بصبر نافد.
وأتت شعلة الفجر أخيرا. وعقب الصلاة مباشرة ارتحلنا فإذا بي أراه أمامنا.
كان مرتجفا باردا مترددا يقدم رجلا ويؤخر أخرى. ينظر برجاء للغيلان وبخوف لأسلحتهم. عرفته ولم يعرفني فهتفت عليه "يا شهابي. إلى هنا. هلم فسيحموننا."
نظر لي الغيلان مبهوتين وقال أحدهم "الشهابي؟ أتعنين ابن ولي العهد الأمير الشهابي؟ أنجا وسط كل ها؟ يا للعجب!"
التفوا حولنا يتداولون مصيرنا فقد كان أحدهم شديد الغضب وهو يقول "أخذ الشهابي معنا هو دعوة لقتلنا. إنه الموت لكل من يرافقه!"
رد ثاني "بل علينا إنقاذه."
-"تالله قد أصابك الخبال. إن رؤيته مع الغيلان أشد خطرا عليه وعلينا من رؤيته وحيداً. قد أنقذه الله حتى الآن فليس لنا من الأمر شيء."
- "بل ساقه الله إلينا لنحميه. لا نكون غيلانا حمراً. بل لا نكون رجالا إن تركنا الصبي يقتل. أنت غول لا تخشى شيئا ولا تهاب أحدا."
- "تبا لك ولشفقتك. ألم تسمع بأن لنا إخواننا قتلوا غلماناً لأن آباءهم ثاروا علينا؟ ليس من واجبات الغول أن يحمي طفل الهلاك هذا."
- "ليس من شأننا أن نتبع هؤلاء في جريرتهم. قد أقسمنا على حماية الملك وأهله لذا فقد أتانا يرجونا بقسمنا فما لنا أن نحنث فيه."
حسم هذا الأمر وإن لم ينهي بكاء الشهابي الذي سمعهم وهم يتناولون موته وحياته. لكن قلوبهم رقت له كما رقت لي. فإذا بهذا الغاضب يقول "غلام وفتاة. لعله تدبير من القدر."
وأخذوا يتداولون عن الجهة التي يذهبون بنا إليها فتكلم الصبي فورا "إلى ساوة."
نظروا له مستنكرين وقالوا "ساوة؟ المدينة وحصنها سقطت من زمن. أما الواحة فما شأنك بأهلها فهم لن يحموك."
قال "واحات ساوة لنا بها نسيب وعدنا بالمعونة ما أصابنا خطب."
ردوا "أمك رومية فأي نسيب هذا؟ ما سمعنا بأنسباء للملك في غير الحاضرة. وما بالك إن كان من الفلاحين."
قال باكيا "لا أعلم أحداً غيره. فلنذهب إلى ساوة. هو تاجر يدعى تيمور العلاف وقد تزوج أميرة فنزع عنها جدي الإمارة فقال له أن حق النسب مكفول لا يضيع."
قالوا محذرين وشبه مستهزئين "الطريق يا فتانا طويل والخطر متربص وسنمكث كل حين في مخابئنا أياما دون طعام أو شراب لا نتحرك وسط الصحراء حتى نصل آمنين. وبعدها سيتتبعونكما حتى هناك."
قال "ليس لي غيرها. لا أعلم أمراً آخر."
قالوا "هو غلام لا يعلم أمراً آخر. إن كان يسعى لهلاكه فهذا شأنه. هي ساوة إذاً."
وهكذا مضوا متململين متذمرين وقد بدت دروعهم الحمراء الثقيلة أثقل من الجبال في صهد الصحراء. ولم يكن الطريق باليسير لكنهم أحسنوا تفادي خطره فلم نلق حرباً أو قتالاً وإن كثر منا الفرار والتخفي. تنقلنا كثيرا بين القرى والواحات الصغيرة وحدنا عن الطريق أكثره حتى أتت إلينا ساوة.
وسبقتنا إليها أنباء مظلمة متتالية عما أصاب البلاد من فتن وحروب وخراب.
ووصلنا إلى ساوة لنجد حالها لا يختلف كثيرا فقد فجع تيمور العلاف في زوجته زهيرة لكنه رحب بنا وآوانا بين أهله لأعرف في حياتي السعادة الحقة.
وجدت ساوة واحة خضراء جميلة ذات حجم مهول بها آلاف النخل الذي يسقى من عشرات الآبار والعيون وفي شمالها أراض فسيحة تزرع شتاءا على المطر لتتحول إلى بساط أخضر بديع.
وهنا في ساوة عرفت معنى اللطف والكرم الذي جهلته بين أغنياء القصور. لا يعيرني أحد بأمي الجارية أو يقيدني أحدهم بأبي الأمير. وكان لي بين النساء شأن كبير. إذ كنت أجيد القراءة والكتابة وهو أمر نادر بين الرجال وفريد بين النساء. فإن رغبت امرأة فيمن يكتب لها أو يقرأ وما كان لها أن تدخل غريباً عليها فقد كانت ترسل لي وتنفحني تمرات شهيات أو قطع حلوى لا مثيل للذتها.
قبل أن يحنون علي قائلات "أميرة يتيمة مظلومة من نسل الخلفاء هاربة فقيرة. عجبا لشأنك."
فتعود لي ذكرى أمي فلا أمسك عيناي عن دمع ذكراها.
وكبرت بينهن لا أسمع إلا قولهن "سارة للشهابي وليس للشهابي غير سارة."
وهكذا أصبحنا. لم يكن لأحدنا غير رفيقه. هل أزعم أنني عشقته؟ لا أدري لكن ما كان بيننا أسمى من الحب وأقوى من الشهوة. كان بيننا الإخلاص لا يفتر والارتباط لا يفصم.

كنا كل شيء للآخر في هذه الحياة لأن كل شيء آخر قد فقدناه.
فكان زواجنا حتما مقضيا.
ورغم أننا قضينا هذا (الزواج) في لهو طفولة طالما حرم منه الشهابي فإن تأخر حملي لم يشغل بال أحد فقد كنت العروس الوحيد التي لا تنشغل الألسنة بنهشها لهذا الأمر. فسارة للشهابي وليس للشهابي غير سارة!
عشنا معا في رحلة واحدة ومكانتنا بين أهل الواحة تعلو. أصبح الشهابي محفظاً للقرآن لرجال الواحة فقد أجبره رجالها على هذا بعد أن أجبرهم نسائهم على إجباره على هذا لكي يحفظني وأصبح أنا قارئتهن محفظتهن أيضا!
إنها البذرة التي زرعتها أمي بين القصور قد أورقت لتظللني بين بيوت الواحة الطينية. فها أنا وزوجي حاملي لواء القرآن لألقى تبجيلا لم أر عبيدا يقدمونه للملوك.
لذا فحينما أتت الخطوب لم أتعجب إذ افتدونا بدمائهم.
كان حملي بالكاد ظهر حينما أتت قطع الليل المظلم بنذرها من الغيلان الحمر.
أولئك الغيلان الذين تركونا في ساوة عادوا فجأة بعد سنوات طوال متوجسين يطلبون لقاءي والشهابي
قال لي كبيرهم "أمسكوا بأحدنا. عذبوه عذابا رهيبا ليخبرهم عن كل إخوانه فلم يحتمل وأخبرهم بكل شيء يمكن أن يجعلهم يتركوه. أخبرهم عن أين يجدوا الشهابي الوريث الهارب!"
قلت فزعة "أخبرهم بنبئنا؟ أليس غولا أحمر. أما استطاع الصمت."
قال لي الشهابي "أوليس بشراً يا سارة."
صمتّ فأكمل الغول "أتانا إذ تركوه فرحين بالغنيمة. كان يحتضر من العذاب فقال لنا "رأيت حياتي كلها إفكا وشأننا نحن الغيلان غثاءا وزبداً يذهب جفاءا فما وجدت إذ أتاني ظلام الموت ضوءا غير طفلين استغاثا بي فأغثتهما. هلا أنجدتموهما؟ يا إخواني هلا أنقذتم لمحة الضوء الوحيدة في حياتي."
بكى الغول حينها فتعجبت لبكائه فقال الشهابي "أوليس بشرا يا سارة؟"
نظر لي الغول بعينه الصارمة الباكية وقال "هم آتون يطلبونكما. لو أمسكوكما فسينالكم القتل حتماً."
قال تيمور "سنفديهما بأرواحنا."
رد الغول "لو حشدت كل أهل الواحة وكل من بقى من الغيلان الحمر ما نفعكم هذا إلا بردهم مرة أو اثنتين ليرجعوا بحشود أكبر لا تبقي ولا تذر. ما لهما غير الفرار."
قال تيمور "إذن نسرع بإخراجهما إلى أي بلد."
رد الغول "الشهابي طلبة كبرى. لو فر الشهابي فسيحرثون الأرض بحثا عن وريث الملك. أرى أن سارة حبلى. فلتهرب هي بوليدها ويبقى الشهابي يشاغلهم عنها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا."
لم أقبل. أنا لا أعرف غيره أحداً. عالمي بأكمله لا يستند إلا على ركنين. الشهابي وأنا يستندان على تلكم الأرض الطيبة. وهذا الغريب يطلب مني هدمه بزعم النجاة.
أي نجاة تلك أيها الغول.
كلا يا رجال. لن يكون مصيري مضغة في أفواهكم فقد تجاوزت هذا العمر. هذه حياتي ومصيري أنا. لن أترككم تدمرونها.
لجئت لكل ما أعرفه من اعتراض وصراخ وغرقت في بكاء دموعه كنار تحرقني. إن كان عالمي يتصدع فلأذهب معه. ما قيمة هذه الحياة إذا؟ ما يبقيني فيها بعد ضياع كل ما أعرفه من حلوها؟ إما أن أخرج مع الشهابي أو أموت معه هنا.
ردوا علي بالحجة فرددت بالصراخ. حدثوني بالتعقل فقاطعتهم بالبكاء الحازم. وحين ألحوا لطمت وجهي حتى صمتوا.
وإذا بالشهابي يخرسني.
هي كلمة واحدة أعادت الإنصات لمعجمي,
"أحبك يا سارة."
جلست منهارة وقلت "وأنا لا أرى ............"
قاطعني مكملا "أحبك فأموت في سبيلك. إن مت معي لم أعلم سبباً غير الظلم الغاشم لتلك المقتلة. أما إن نجوت فقد علمت أنني افتديتك بدمي. لا تحرميني هذا الأمر."
بهت. واسودت الحياة بعد أن انطفأت نار الغضب وتبخر الإصرار ولم يبق إلا طاعة زوجي في آخر أمر له في هذه الحياة. ما عاد لعيشي سببا غير أن أنجو بوليدي وعسى الله أن يجمعنا في جنة رحمته بعد أن فرقتنا جحيم ظلم الإنسان.
خرجت في قافلة صغيرة تهرول خشية ذئاب تبغينا وتبطئ خشية حمل يثقلني.
أعطاني تيمور العلاف ورقة وأنا راحلة. وأمرني ألا يقرأها أحد غيري وأحرقها في عقبي بعيداً عن ساوة. ففضتتها عند الغروب وأنا أرى بين حمرة السماء حمرة نار في مكان ما بتلك الواحة التي ابتعدت تحاصر زوجي وتعتصر قلبي.
بين الدموع وجدت كلمات العلاف الذائبة تعزيني في مصابي الذي لا يعزى وتدعو لي بالتصبر بأخبار آلام الأنبياء موسى ونوح وأيوب وعيسى عليهم السلام. كلهم لاقوا ظلما أشد وعلى يد أقاربهم وأقوامهم. ثم أتاهم نصر الله في النهاية.
أخبرني أن أذهب لرجل من بني الأسود في شرق البلاد كان له يد بيضاء عليه يوماً, وقد سمع أن عم هذا الرجل قد أصبح شيخ شيوخ تلك القبائل القوية وهو داهية لا مثيل له لذا فهو مطمئن أنه سيحميني وييسر لي الرحيل خارج المملكة إلى طرابل حيث يصل بي إلى رجل يعرفه هناك.
أكرمني هذا الرجل من بني الأسود وأشفق عليّ إذ سمع نبأي. لم أخبره بأصلي واكتفيت بذكر أمر زوجي وهلاكه. أشفق على وليدي أن يلحق بأباه قبل أن يتنفس هواء الحياة فقال لي "حسناً يا أم اليتيم. سأضعك على سفينة راحلة إلى ميناء الزاهرة فلا تعلمي أحداً بأمرك أو مقصدك. وغيري من مسكنك بعد الأيام الأولى. وسأخذل عنك ما استطعت."
لكن أيام المطاردة انتهت بعدها. استقررت عند شيخ عجوز في قرية قريبة من تخوم طرابل إلا أن الحرب المتأججة بين مدينتي الصيادية والسور العلي طالتها بغارات مرتزقتها الفرنجة. فرحلت إذ كثرت الهجمات مع غيري من نسائها خشية السبي. ما كان لي أن أعيد سيرة أمي ليصبح وليدي القادم ابن جارية.
ذهبت لطرابل في آخر هروب فلجأت لشيخ مسجدها الكبير الذي أكرمني وآواني واستوصى بي خيرا.
وهناك في قلب بيته أتاني المخاض وأنجبت.
وهنا صمت عبد الشهيد ابن سمعان ولم يكمل ما كتبته الأميرة سارة بنت عدنان

عن : من حكايات الغول الأحمر الأخير




يقول عبد الشهيد ابن سمعان آخر الغيلان:
كنت منهكا أشعر كأنما مائة رجل اجتمعوا علىّ بمقارع من حديد يدقونني. ليس من السهل صعود جبل الضائعين ولا من اليسير النزول منه.

عبد الشهيد ابن سمعان الذي لم يكن الغول الأحمر الأخير  بغض النظر عن أنه لم يكن من الغيلان الحمر الذين ليسوا غيلانا يمضي في بعض حكاياته التي ليست حكايته وحده
**********************
الرواية فانتازيا تاريخية (بمعنى انها عن التاريخ الذي لم يكن) وليست فانتازيا كلاسيكية (عن مخلوقات وعوالم غير بشرية باستثناء بعد الاساطير الجانبية) ذات صبغة محلية قوية لم تصغ في الشكل التقليدي للرواية. لم تصغ كذلك بشكل (ما بعد حداثي) وإنما على العكس جاء بنائها بشكل عتيق معتمد على بناء (السيرة) في التراث الشعبي التي تعتمد على حكاية اساسية تتفرع منها قصص متتالية متعددة واشخاص وأبطال كثر في مواقع ربما تبدو غير مترابطة لكن يجمعها خيط واحد

الرواية اكتملت في نوفمبر 2007 وانتهى تنقيحها في ابريل 2008 ونشرت اولا في منتدى دار ليلى ومنتدى هاري بوتر العربي وتعثر نشرها الورقي لفترة بسبب كبر حجمها (300صفحة قطع وسط) حتى خرجت (او ستخرج قريبا بإذن الله) من دار اكتب خلال ايام
*************************
لقت الرواية اراءا مشجعة في مجملها اقتبس منها
للصديق محمد عبد القهار
الرواية مليئة بالأشخاص ذوي الأبعاد المختلفة فأكثر ما أعجبني هو التأرجح في الشخصيات بين الأبيض و الأسود ,بين الجبن و الشجاعة,بين التضحية و الأنانية.

صحيح أن الحوار في لغته لم يفرق بين فلاح و أمير أو بين عربي و فرنجي لكن إذا سلمنا أن الراوي هو عبدالشهيد بن سمعان فيمكننا أن نتغاضى عن هذا الأمر لوحدة الراوي.

عبدالشهيد: هو ببساطة أنا و أنت أو بالأحرى هو ما لا نجرؤ أن نكونه و نتمنى أن نكونه.هو ببساطة إنسان أيقن حقا أنه ليس لديه ما يخسره في هذه الدنيا.يتيم و حيد يعيش مكللا بعار أبيه أو كذا يظن اهل قريته.تسوقه القدار ليكون بطلا في الظلام لا يراه أحد يعيد أسطورة عرفها الناس و هابوها لكن بطريقته.ربما لو كان لديه شئ يخسره لكان التحدي أكبر.يذه إلى مهمة على مضض تأدية لواجب فرضه عليه شيخ البلد الذي يجافيه كما تفعل القرية كلها لكنه لم يكن أنه على أعتاب مغامرة ستكون الأكبر و الأخطر في تاريخ بلاده.

 ****************

تكلمت بحماس "وماذا يهم النجاح والفشل؟ لماذا لا أحاول؟ لو لم أفعل لقضيت حياتي نادما متألما محترقا. لو هلكت فلن تضايقني ذكرى الأقارب الذين أهلكهم الأسود! الله يحاسبنا على أعمالنا وليس على نجاحها أو فشلها. لن يقلقني ضميري بالفشل إن فعلت ما بوسعي ولن يهمد لنجاح أتى من هروب! السكون ينجيني لكنه لن يطفئ نار الثكلى, المقاومة عاجزة لكنها تبرد قلوب الموتورين."
ضحك ضحكة مجلجة قبيحة وقال "أنت ماكر أحمق! أتخاطب ثأري عسى أن أساعدك؟ أقول لك اسع لنفعك ودعك من هذا الشأن فتقول لي أن أرافقك في رحلة الهلاك؟ ولماذا؟ لأجل هذه البلد؟"



الرواية تقع في 69فصلا أصغرهم نصف صفحة وأكبرهم مقسم لأربعة فصول فرعية في حوالي 30صفحة
الرواية في اتجاهين. رواية اساسية متشعبة من التاريخ (الذي لم يكن) والاتجاه الثاني في قصص جانبية تمثل التراث والاساطير والمخاوف الخيالية لهذا البلد الوهمي الذي تقع فيه الاحداث
بالرغم من أن الرواية تدور أساسا حول دولة تعاني من فوضى ما بعد الثورة وتنازع الاحزاب فما بينها لكنها لم تتاثر باحداث (الربيع العربي) فقد بدأت فيها عام 2005 متأثرا أكثر بما وقع في العراق بعد الغزو الأمريكي . اغلب القراء الذين اطلعوا عليها صنفوا الأهبال على أنهم التتار. لكن في الحقيقة بهم جانب من أمريكا جورج بوش لا بأس به
تصدر الرواية في اول فبراير عن دار اكتب للنشر والتوزيع في كتاب من القطع الكبير حوالي 300صفحة اتمنى ان تحظى باعجابكم
*************************

الأحد، 11 ديسمبر 2011

يوم باين من أوله

اذهب لاودع رسميا بعد انفصال واقعي طويل هذه الدراسة التي احببتها ونجح هو ان يبغضني فيها ويثير ندمي على دخولها, لأجده (وانا المتفضل بالتنازل هذه المرة) مازال مصرا على عادته القديمة في لطعي اطول مدة ممكنة خارج المكتب!
أعود للعمل  لأجد أن مساعدي قد اتخذ نيابة عني قرارا ماليا رخم عدم ضخامته لكنه مؤثر على حساباتي الضيقة في هذه الفترة الحرجة, وحين استشطت غطبا يدافع عن نفسه (بأه لا يعرف ما المؤثر وما الغير مؤثر وهل توجد نقود أم لا) يا سلام! أصل سبب غضبي أنك تتخذ القرار وانت لا تعرف!!!
أعود للمنزل ليستقبلني هذه الابتسامة الشامتة!َ نفذوا ما في رؤوسهم فيما يتعلق بأخص خصوصياتي وملاذي الاخير المتهاوي (المفتوح عنوة لهم ع البحري)
رغم رفضي الصارم 3مرات ومعي شقيقي وتوضيحي لهم ان تائج ما فعلوه المرة اسلابقة قد اسائت اكثر مما افادت وانني واخي نقوم بالامر بالفعل حسب ترتيبننا
لكن لمستهم الذهبية السحرية لا يجب انكارها غصب عن عينينا! وفهمهم العميق للحقائق الكونية المتعلقة بكل ما يخص حياتي بلا استثناء يفوق حتما سذاجتي المشهورة واهمالي التام
ولذلك فالف طظ فيك يا عزيزي وعليك ان تبتهج بتكسير كلامك في اخص خصوصياتك والتدخل في شئونك (مع بقاء التحذير الاحمر بحظر التدخل في اي شأن متعلق بهم حتى لو كان عاما)
عليك ان تقبل بترحاب انجاز المهمة حسب ما يرون هم وليس حسب ما ترى انت ايها الجاهل المغرور
عليك ان تقبل كونك كوم نفيايات يلقون فيه ما يشاءون ويرتبون فيه وقتاما يريدون
وان تشكرهم على حسن نواياهم الطيبة بتقويم عقلك المعوج وحياتك الفاشلة حسب رؤاهم العبقرية الالمعية


الجمعة، 4 نوفمبر 2011

مساقط الموت (رواية قصيرة)


القصة التي شاركت بها في مسابقة فانتازيا الثورة, لم أفز لكن المشاركة كانت الاهم خصوصا وأنها أتت بعد فترة توقف طويل, القصة بها بعض التعجل وتسارع الاحداث زائد في نهايتها وعدم ارتباط شخصياتها ببعض يسبب للقارئ بلبلة ولا يخلق محور للتعاطف معها. كذلك بها الكثير من المباشرة ( وهو عيب قاس لدي) حيث أفيض في المقصود منها بجمل تقريرية طويلة. لست من البارعين في القصة والقصة القصيرة عموما, الرواية هي ملعبي الكبير حيث الكثير من التخطيط والبناء المرهق الذي يجعلني أتخلى عن المشروع في الاغلب! ـراجعت القصة وحاولت تحسينها قليلا بعد المسابقة لكن مازالت العيوب السابق ذكرها واضحة. رغم ذلك أتمنى أن تكمون ممتعة أو بها قدر من التأثير
مساقط الموت

اليوم الثامن عشر:
ابتسم 18 مرتبكا مبتعدا بوجهه عن أعين 7 الثاقبة وهمس:
"أيبدو لك مختلفا؟ أتظنهم وصلوا إليه؟"
"18! كيف تفكر في هذا؟ لو وصلوا إلى 7 لانتهى كل شيء بالفعل, هو يعرف أدق التفاصيل."
"ما أعنيه يا 6 أنهم وصلوا لوسيلة ضغط عليه. ربما كان واقعا تحت التهديد, إنه يفكر أكثر من اللازم! انظر له ولتردده؟ أتتصور أنه سألني عن إذا كان ما نفعله مناسب أم أن وقته قد فات!"
"ماذا؟ لقد كان هو صاحب الفكرة في الأساس! أيمزح أم ماذا؟"
"6, أنت الوحيد الأعلى منه رتبة وأقربنا إليه, أنا قلق للغاية فدور 7مهم وأساسي في حركتنا, لو تراجع فسينهي كل شيء ويضيع مجهود 10سنوات وربما أكثر! ربما نضيع نحن أنفسنا وتضيع فرصة التغيير للأبد معنا."
لم يكن الأمر سهلا, فسبعة واحد من القدماء وهو الأكثر حزما وهيبة, الأعضاء القدامى لهم نفوذ يفوق من هم أعلى منهم رتبة. حتى رقم 1 لا يجرؤ على مواجهة 7 حين يختلف معه في الرأي بل يكتفي بأن يحيل أمره للجنة صفر (التي يمثل 7 عضوية أساسية فيها بصفته أقدم الأعضاء الأحياء) أو يوسط 6 للحديث معه.
لكن ما كان على المحك أمر جلل, إنه اليوم الذي بدأت من أجله الحركة الأولية منذ 80 عاما. يوم التغيير.
لم يكن هناك خيار, لابد من مواجهة 7 ومعرفة ما بذهنه, ولأنه يدرك أن الجميع من 1 الى 5 سيعيد الأمر إليه لأنه الأقرب ل7 فلا مفر من أن يقوم هو بالمهمة.
تقدم في وجل, وهو يتأمل متعجبا هذه الملامح الشابة الصارمة التي لا يصدق من يراها أنها تبلغ من العمر أكثر من مائة عام. إن القدماء لهم أسرار غريبة في الحفاظ على الشباب رغم أعمارهم العتيقة.
"ماذا هناك يا سيد 6؟ أتوجد مشكلة؟"
يحرص 7 على التراتبية العسكرية الصارمة للحركة, لا يبدأ حديثه مع من هو أعلى منه رتبة إلا بلقب السيد ولابد أن يؤدي التحية العسكرية. لكنه لم يفعل هذا هذه المرة, لا بد أنه مشغول البال بالفعل.
"7, أنت من أقرب أصدقائي ومن أهم أركان الحركة الأولية, ناهيك عن كونك من القدماء, بالطبع ما يشغلك يشغلني."
"آهه, لا تقلق يا عزيزي, هناك هذا الأمر الذي شاهدته أمس وأثار ذهني قليلا."
كانت حجة كافية من أي شخص, فالمشاهد المفزعة في كل مكان حولهم وهي السبب فيما يفعلونه أصلا, لكن 7 من القدماء وهم لا يتأثرون بسهولة
"ماذا شاهدت ليسبب لك كل هذه البلبلة يا عزيزي؟"
بدا التردد على وجه 7 قليلا ثم نظر في وجه 6 كأنما يقرأ أفكاره ليستشف منها شكوكه ومخاوفه. ثم تنهد وقال "أعلم أن الوقت لا يحتمل ريبة, يجب أن أصارحكم بأقل شيء لكن المشكلة أني خشيت رد الفعل."
"أي رد فعل تعني؟ لم كل هذا؟"
كان قلق 6 تضاعف بالفعل وبدأ ذهنه يعد خططا لمراقبة 7 واحتواء أي أزمة تؤثر على استعدادهم وهو ما سيكون صعبا لأن 7 متورط في كل شيء تقريبا.
لكن الأخير تكلم في النهاية "أمس وأنا عائد من مهمة القنبوري شاهدت ... شاهدت علامة."
لم يفهم 6 الامر في البداية فتسائل "علامة؟ علامة على ماذا؟"
"أنت تعرف, حسنا, العلامات كما يقولون, علامة من العلامات...."
قاطعته ضحكة 6 المدوية "علامة! تعني علامة من علامات الاضمحلال؟ يا رجل دع عنك! أتؤمن بهذه الخرافات؟ إنهم يرون مائة منها كل يوم!"
هز 7 رأسه بضيق وهو يقول "هذا هو رد الفعل الساخر الذي كنت أخشاه!"
أحس 6 بالحرج الذي لم يقلل من ارتياحه فاعتذر بقوله "آسف يا صديقي, لكن هذه الخرافات يجب ألا تشغل بالنا. خاصة واحد من القدماء مثلك وفي توقيت حرج كهذا."
مط 7 شفتيه وقال "هم يرون 100 علامة كل يوم يا 6, لكن هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أراها, فالتمس لي العذر."
هز 6 كتفيه بعدم اكتراث قائلا " طوال عمرنا نراها ونفسرها تفسيرها العلمي الحقيقي ولا ننسبها لمؤامرة تنبؤية عمرها الف عام!"
هز 7 قدمه في عصبية شديدة وبدا انه يجاهد ليجبر نفسه على الصمت لكن 6 استمر في حديثه المستخف "انفلاق الاوراق مثلا, أمر عادي في ظل التلوث الذي دمر كل شيء, اسوداد الشمس ظاهرة فلكية تحدث كل 526 عام والدم في مياه الآبار هو نتيجة التلوث بأكسيد ال...."
قاطعه 7 منفجرا " أمس في حي الرابقة وعند مسقط الموت رأيته بأم عيني يا 6, رأيت القائد!"
ولم يعد هناك المزيد ليقال.

**********
اليوم الأول:
بالطبع فإن الجلسات الملكية ليست بالشيء المحبب للمراقبين, ولم يشذ يوسف-321 عن القاعدة, بل كان أبرع زملائه في انتحال الحجج للإفلات من الجلسات أو سرعة مغادرتها. في الأيام الهامة التي يكون فيها الحضور إجباريا على جميع الموظفين فإنه يصل متأخرا بعد انتهاء تلاوة التقارير المملة وانصراف أغلب القدماء. ويتحمل خصم التأخير من المرتب أهون من عبء الجلوس في حضرة القدماء وهو الأمر الذي يسبب له قشعريرة غريبة يفسرها بأنه نوع من الحساسية ضد شيء ما في رقيتهم.
لكن اليوم مختلف, اليوم ربما كان أهم يوم في حياة يوسف 321 البسيطة, ما حدث أمس جعل قلبه ينتفض وجعل هناك أمرا مختلفا في حضور تلك الجلسة الروتينية التي يجتمع فيها المجلس الحاكم مع كل موظفي الحكومة للاستماع لتقاريرهم الشهرية. اليوم حان الوقت ليستمعوا له.
كان أمرا غريبا أن يراه الحراس يأتي مبكرا, بدت الدهشة واضحة على وجوه العمال حين رأوا موظف مراقب يتخذ مكانا قرب المنابر. المراقبين هم ببساطة الموظفين الذين بلا عمل, لا حق لهم في قرار ولا ترقية ولا حديث. فقط يحضرون ويتلون بيانات مطولة من كتاب الرقية على الجمهور أو يتولون متابعة ورقة تائهة هنا أوهناك, أحيانا حين تكون هناك حملة كبرى أو إحصاء قومي يتولون بعض المهام. لكن في الأرجح فإن جل ما يفعلونه هو أن يحذفوا أسمائهم من خانة العاطلين مقابل قروشا لا تسمن ولا تغني من جوع.
كان يوسف 321 متوترا, القرار في داخله كان هائلا للغاية, لم يكن يستطيع تجاهل ما رآه أمس في مسقط الموت. الأمر أقوى منه بمراحل, لكن الخوف القديم الذي يبلغ من العمر مائتي عام ليس من اليسير إذابته أو تجاهله.
هل يفعلها؟ هل ينهض ويتكلم؟ كان قراره مائة بالمائة أن يفعل, حين اندفع في حماس مستبقا زحام المرور الخانق مضحيا بحلقة مسلسل الجماهير, ليأخذ هذا الكرسي الأمامي قرب المنبر. لكنه أصبح كرسيا من دبابيس يحضه على الصمت, أحس أن هذين المسندين المعدنيين سينطلقان نحو فمه ويخرسانه! لم يشعر بهذا الرعب في حياته!

بدأت الأعداد تتزايد, لم يعرف يوسف 321 أن الأمر هذا العام مختلف, الحركة الأولية نشطت كثيرا وسببت الكثير من المشاكل وهناك أحاديث هامسة عن عملية ضخمة يستعدون لها قريبا. القدماء يستجوبون المديرين عن كل همسة, الأهم هو أن استدعاء المستنصتين لنقل أحاديث الصارخات أصبح بندا ثابتا في بداية أعمال الجلسة الملكية ومع كل ما تفضحه الصارخات من أسرار كثير منها مسلي وعجيب فإن الجلسات أصبحت أكثر تشويقا للكثيرين.
أخذ يوسف 321 يعيد التفكير فيما رآه أمس, كان يشد من أزر نفسه ويأخذ أنفاسا عميقة ويحبسها حتى يكاد ينفجر فلا يطلقها إلا حين الاختناق, كانت مخاطرة أن ينتبه أحد لقيامه بواحد من تدريبات التنفس المحظورة لكن لو استجمع شجاعته وتكلم فسيكون القانون 1508 لحظر المجاذيب هو اهون مشاكله.
كالعادة بدأت الجلسة بسرد ما هو محفوظ ومعاد من تاريخ, ما حدث ذات يوم من وقوف جماعة من الشباب الشجعان في وجه ظلم المجاذيب وخرافاتهم التي سيطرت على المملكة وأغرقتها في حال من الهوان وصل لدرجة أن أصبحت شئونه تدار بأمر أتفه موظف أجنبي! الحديث عن يوم مجد يتيم حدث منذ مائة عام أنهى نظام الحكم القديم وأعوانه من المجاذيب الذين غيبوا عقول الناس وكوفئوا من ورائه بالارتقاء! وبينما يستمع يوسف 321 لأناشيد التمجيد في هذا الحدث العظيم يتوارد لذهنه ما كانت جدته تحكيه له وهو طفل أن الارتقاء إنما كان لعنة! الفخر الذي يباهي به القدماء أهل الوطن أنهم كوفئوا لوقوفهم في وجه الظالمين والمجاذيب بأنهم لا يشيخون ولا يمرضون ويعمرون إن لم يقتلوا لآخر الزمان إنما كان من وجهة نظر جدته الساذجة الأمية لعنة أصابت الأمة بدعوة من قائد المجاذيب الشيخ الصافي, الرجل المسكين الذي أعدموه ظلما بغير ذنب غير تهمة أنه متخلف فدعا على كل من لم يقف ليدافع عنه بأن يعيش في حكم من ظلموه للأبد! مسكينة جدته, أفضت بهمها للصارخات ذات يوم فأتى المستنصتين لبيتها يسحلونها حتى دار القضاء لتموت من الخوف في الطريق.

كلام تلو الكلام! تمجيد في عظمة القدماء وحكمتهم التي جمعوها في عقود عمرهم الطويل, الفضل الذي أتى على البلاد من قيادتهم الحكيمة لكل الوظائف حتى المعارضة وقيادة التمرد, كان يوسف يحس باختناق غريب منهم, كلما رأى واحدا من القدماء أحس بنبضه يتسارع ونفسه يضيق وجلده يقشعر, حساسية غريبة لا يجرؤ أن يفضي لأحد بسرها. هم في كل مكان, لو ذهبت إلى متجر كبير فمديره من القدماء, لو تطوعت في الجيش فلن تترقى لتصبح قائدا لأن القادة كلهم من القدماء, لو انضممت لحزب معارض فانتظر أن يقوم الملك بإعدام احد قادته من القدماء ليخلو لك منصب أمين قرية! المكان الوحيد الذي يمكن للبشر العاديين فيه الترقي هو الحركة الأولية, أولئك المنشقون الذين قالوا أن علينا أن نرجع لأسباب الحركة الثورية الأولى التي تخلى عنها القدماء بعد أن أصبحوا وزراء ومستشارين للملوك. ثمانون عاما يحاربون في صمت خجول الملك يريدون خلعه بينما زملاؤهم القدامى يقمعونهم بتهذيب.
انقطع تسلسل الأفكار الساخطة بهمهات علت في أطراف القاعة, حان وقت النميمة! لا يوجد في مملكة العلامات سوى أمرين فقط يهونان الحياة: مشاهدة مسلسل الجماهير والاستماع لنميمة الصارخات!
لا يعرف أحد على وجه الدقة كم يبلغ عمر الصارخات, هن قديمات قدم الدهر, الأحاديث عن وجودهن يرجع لعصور جد بعيدة, الحذر الحذر فإن للجدران آذان! هكذا تعلم كل طفل منذ عهد السلطان مرموط أول من استطاع أن يكتشف الصارخات ساكنات الجدران ويحدثهن ليكشفن له الأسرار. منذ متى كن موجودات قبلها لا أحد يعرف! بعد الارتقاء بأعوام قليلة أصبح لفئة من القدماء عرفوا بالمستنصتين القدرة على استجواب الصارخات, والصفقة بسيطة, أنت تفشي لها سرا فتفشي لك اسرارا, فقط حاذر أن تكذب عليها وإلا فستكذب عنك وتلفق لك أمام الآخرين ما لا تطيق!
بدأت الجدران تهتز وتسود, الصارخات يكشفن عن أنفسهن, يستعددن للهمسات اللاهثة الكاشفة, لحديث النميمة الطويل, لا يوجد من هو في مأمن من الصارخات! فحيثما تداري سرك يوجد جدار قد يكون مسكونا!
في الماضي كان السماع للصارخات لذة لدى يوسف 321, لم يحملهن سبب هلاك جدته فهن يفعلن ما يعرفه الجميع عنهن, هو خطأك أنت أن تدلي بسرك للجدران كعادة العجائو قبل ظهور المستنصتين. لا تلومن إلا نفسك حين يأتون لبيتك يحاسبوك على حماقتك!
لكن اليوم مختلف! لو علمت الصارخات بما يكتمه اليوم في صدره لانفجرن صريخا ربما دون مقابل من الاسرار! لكنه سيمحقهن ويبهتهتن. سيفضي هو بالأمر عاليا مكشوفا, بالصوت العلانية الذي لا تقدر الصارخات على سماعه!
بدأ المستنصتين همسهم, أسرار قذرة من قلب ظلمات البيوت ومن اعترافات المسجونين, نميمة حول من يرتدي نعلا بشكل قرد ومن يمتلك لباسا داخليا ممزقا لا يريد تغييره لأنه غير مكشوف! وترد الصارخات كاشفات همسات كثيرة, بعضها مضحك كحديث مقاهي الحشيش وبعضها محزن كأنباء الجرائم والقتل.
لكن الكنز الثمين للمستنصتين هو أحاديث السياسة, ما أن تبدأ صارخة في حديث عن المتكلمين في السياسة حتى يلقمها مستنصتها سرا عن تلك الممثلة الحسناء في مسلسل الجماهير! وهنا أفضت وتوسعت الصارخة في أخبار من يشكون ضيق الحال ويكفرون حين لا يرضون بالقضاء المحتوم متحدثين عن سوء الإدارة وتجمد الأحوال, تفيض له بأخبار مملة لا تهم المستمعين عن جرائم في حق البلاد, ربما بعض الغاضبين يستمعون لنبأ عن رشوة هذا الموظف أو إهمال هذا المدير فيهتفون طالبين المحاكمة ليؤخذ من وسط الجموع ويقاد إلى دار القضاء حيث يختفي للأبد وينتهي العرض الممتع باحتفالية التطهير هاتفين أن: الثورة مازالت مستمرة تطارد كل فساد وتحارب ذيول المجاذيب. ويتحدث الملك مخاطبا الجموع عن استمرار العمل المكافح لرعاية الشعب ومراعاة المساكين, وكالعادة يعلن عن التصدق بمبلغ كذا لكل فقير في البلد.

عرض يتكرر كثيرا لكنه كان جديدا ليوسف 321 الذي لا يحتمل البقاء في مكان واحد مع القدماء.لم يحضر من قبل مثل هذه العروض ولم يجرب ما يسميه زميله ماجد 103 بالسكينة.
وأحس اليوم أنه كالمسكن لألم أحرق قلبه, بالفعل كان يشعر بتنفيس لغضبه وأن رغبته في الحديث قد خفتت بعض الشيء. لكنه تذكر ما رآه بالأمس في مسقط الموت فاشتعل قلبه ثانية. سيموت إن تحدث لكن إن لم يفعل فسيكون الأمر أسوأ. سيكون كأن لم يكن!
"أبناء أمتي وأعدادها الحاشدة, رقم منكم سيتحدث وعدد منكم سيرد, من له بسؤال يحاسب به ملكه؟"
هكذا فتح الحديث الأخير في أي جلسة, حين يأتي المواطنون العاديون لمحاسبة الملك ومنحه الثقة. لكن لم تكن مشكلة يوسف 321 مع الملك.
رفعوا أياديهم وعين الصقر ترصدهم وترتبهم أبجديا حسب الاسماء والأرقام تنطلق أفراخ الصقر الملكي تنفذ ما يأمره بها أبوها لتقف بالترتيب حيث الأول فوق إبراهيم 11 والأخير فوق يوسف 380 ولكن من بين الجموع ودون انتظار الدور قفز يوسف 321مزيحا الصقر الملكي من فوق المنبر. لم ينتظر الإذن بالحديث لكن الصقر بسرعة بديهته استوعب هذا الحدث الغير مسبوق وسرعان ما تألق بأضواء على حروف (المواطن 1865431/يوسف 321 متحدث رقم 1من 251) وبينما انشغل المواطنون بنفض ريش أفراخ الصقر التي تصادمت وهي تهرع لإعادة الترتيب فوق رؤوس طالبي الحديث
همس يوسف: سأدلي إليكم بسر أكتمه في قلبي منذ ولدت"
لمعت الصارخات بنهم, تريد أن تلتهم وجبة جديدة من الأسرار المدفونة, لمح الناس بريقها فانتبهوا يريدون أن يسمعوا ما سترد به الصارخات على سر المواطن.

مد يوسف 321 يده مشيرا نحو الصقر الملكي وصرخ بصوت عالي يحمل ما كبتته السنون:
"هذا هو أنا, مجرد المواطن رقم 321 الذي حمل الاسم يوسف, طوال عمري أتساءل لم أنا يوسف 321 ولست يوسف؟ لما أنا نصف إنسان ونصف  رقم, أمس ذهبت إلى مسقط الموت, أتذكرونه؟ هناك أنظر لمن لا أعرفهم يموتون ولكن كنت أبحث عن بقية ال320 يوسف الذين ولدوا قبلي من يميزني عنهم ومن يميزهم عني؟ رأيتهم يموتون ميتات مختلفة لكن لا فرق! كلهم يعيشون يأكلون يذهبون لنفس العمل ثم يعودون منه ليموتوا كما ولدوا مجرد أرقام! سأموت مثلهم مجرد رقم ينتقل من خانة الأحياء إلى خانة ألأموات! أنا هنا لم آت لمحاسبة الملك وإنما لمحاسبة القدماء الذين حولونا لأرقام, حيث هم فقط من يديرون ومن يفكرون بينما نحن أرقام جامدة تمشي حيث يريدون. أتعلمون ما شكواي؟ أريد أن أفكر بغير ما كانوا يفكرون منذ مائة عام! أريد أن أعمل غير ما أعمل فيه من الميلاد حتى الموت! أريد أن أكون! أن أكون يوسف لا يوسف رقم 321. لا أريد أن أرى قديما يستمر في ثورة عمرها مائة عام ليقتل كل حياة بعده! تبا للترقي فأنا أريد أن أترقى!"
بعض الجهلاء لم يستمعوا لحرف مما قاله إنما كانوا ينتظرون رد الصارخات عليه فوجدوا بريقهن يخفت, لم يكن هناك شيء يقتل الصارخات ويصم المستنصتين قدر أن يعلن إنسان عما يعرفه الجميع ويكتمونه.
من نافلة القول أن يوسف 321 لم يعد له وجود في السجلات.
*******************
اليوم العاشر:
لم يكن جودة215 أبدا من الشباب الذي يسعى وراء الموضة والتقاليع, هو شاب هادئ دوما مطيع لوالديه لا يشغل باله الكثير في الحياة التي لا يتوقع منها الكثير.
لكنه كان (ككثير من الشباب المنغلق على نفسه) متعلق بأفكار الموت وما بعد الموت, لذا فتقليعة (سينما الموت) نجحت في جذبه مع غيره من الشباب.
كيف بدأت هذه الفكرة المجنونة لا يعرف, يزعم البعض أن أحدهم تحدث عنها في مجلس ملكي الشهر الماضي, بحث في السجلات عن هذا الأمر فلم يجد ذكرا لكن بعض الخبثاء تحدثوا عن هجوم على القدماء وموت بعض الصارخات وغيرها من أخبار النميمة السياسية المملة والمخيفة.
لكن لا يهم من صاحب الفكرة, المهم فيها هو نقاؤها! أن تذهب في حفلات جماعية مع أقرانك وسط الظلام في مكان لا تستطيع الصارخات أن ترصدك وتفضحك لوالديك أو للمستنصتين كي تشاهد موت أقرانك, من يحملون نفس اسمك يموتون أو ماتوا أو كيف سيموتوا! تجلس لتشاهد غير ما يشاهده زميلك المجاور لك إن لم يحمل نفس اسمك. تنظر للحظات الأخيرة وكيف لم يعرف ما هو مقبل عليه, تنظر للحظات عنيفة لجودة عاش منذ مائة عام ووقف في وجه الظلم حتى دهسه وجودة آخر باع أهله لأجل المال فمات مختنقا بلقمة دسمة! وجودة ثالث عاش مثلما مات لم يراه سواه جودة جالس في سينما الموت!
ولأن الفضول كالنار كلما ألقمتها ازدادت جوعا فقد أخذ جودة وزملائه يبحثون عن مسقط الموت هذا, اخرجوا كتبا قديمة من التي نبذها التاريخ ليقرأوا عنها.
"مساقط الموت من الظواهر الغريبة في مملكة العلامات, لكن لا غريب يبقى غريبا حين يدوم! حين ظهر أول مسقط للموت في جنوب البلاد ذهب له الحجاج ألوفا والتف حوله المجاذيب يقيمون الموالد ويذبحون الذبائح ويعدون الحضرات دون أن يسبروا غوره, كل من ينظر فيه يرى أناسا لا يعرفهم إما ماتوا أو يموتوا أو سيموتون! لا يمكنك أبدا أن ترى شخصا تعرفه في مسقط الموت. لذا لا يظهر فيها الملوك والمشاهير والأشخاص المهمين أبدا. هو لا يحتفي إلا بموت البسطاء كما وصفه الشيخ الصافي آخر قائد للمجاذيب. ثم ظهرت ثلاثة مساقط أخرى في كل ركن من أركان البلاد, اختفت هذه المساقط بعد الثورة إذ ردمها القدماء بعد الارتقاء."

فتن جودة215 كثيرا بفكرة: أنها لا تمجد إلا البسطاء. الاحتفاء بموت المواطن العادي الذي يمر عليه الجميع مرور الكرام! لكن إذا كان القدماء هدموها بعد الارتقاء فمن أين ظهر هذا المسقط الذي يلتف حوله الشباب بالساعات حتى الفجر؟

زميل كان ينقل حديث جده الخافت: لم يحب القدماء مساقط الموت لأمرين أولهما أنها لا تأت إلا بالموت بينما هم يعيشون أبدا. وثانيهما أن نبوءة الاضمحلال تحدثت عن علامات تسبقه, أهمها أن يرى الناس في مسقط الموت ميلادا! ميلاد لقائد مجاذيب جديد سيفنيهم. لكنهم رأوا فيها نفعا حين ظهر المسقط الخامس في حي الراقبة وسط العاصمة, لم يردم لأن الناس لاحظت أن الصارخات لا تقرب منه أبدا لذا كان نافعا لاجتماع كل من يريدون أن يتبادلوا سرا ولأن الأهالي قد نسوا أمر المساقط بعد ظهور التلفزيون وبدء مسلسل الجماهير. أصبحت مساقط الموت موقع كل الاتفاقات السرية بين الحركة الأولية والحكومة!

هكذا جمع الناس أقاصيص وخرافات عن مساقط الموت, كانت تسليتهم في الثرثرة أثناء انتظار دورهم للجلوس في سينما الموت, ولكن الانتظار يطول كل مرة بينما الليل قصير كما هو.

كان جودة 215 شابا هادئا حكيما كارها للشجار ويحاول أن يصلح بين الناس دوما, لذا كان هو من أتى بهذا الحل المباغت عندما تزايدت أعداد الشباب والشجار بينهم حول من يجلس أقرب للمسقط؟ أتى بجاروف وحفر حتى وسع المسقط لينظر فيه الجميع.
ثم أتى يوم زاد فيه الزحام ففكر ونظر في التربة محاولا استعادة ما كان يقصه له جده عن فن حفر الآبار, بدا له أن ما يجري في مسقط الموت هو ماء ما (يزعم المجاذيب أنه نهر الحياة) فإذا يمكن أن يحفر ليصنع مسقطا صغيرا إلى جوار المسقط الكبير.
درس الأبعاد وانسياب الأرض وأتى إلى مكان مظلل أسفل شجرة محتضرة وأزاح العفن المتراكم وقمامة الصارخات القديمة وحفر ثم حفر ثم حفر. كلما حفر اشتم رائحة غريبة حبيسة تجاهد لتغطي على العفن, وصل إلى أرض سوداء تموج ذكرته رغم لونها بالدم. ضرب ضربة أخرى فانبجس مسقط موت جديد, لم يدرك أنه أول مسقط موت يصنعه الإنسان في التاريخ فقد كان تاريخه قد قارب نهايته.
*************
اليوم السادس عشر

كان أول من أحس مؤلفي المسلسلات, مشاهدة مسلسل الجماهير أصبحت أقل بينما بقية المسلسلات لم تزد, وهنا تحركوا وأرسلوا إلى المستنصتين ليبحثوا في الأمر, لكن أنباء ما حدث وصلت إلى جبهة الجهلاء, ولأن الأمر يدخل في صميم اختصاصهم ولأن الصارخات لا تقرب مساقط الموت فقد عرفوا بالأمر وهاجوا وماجوا وخرجوا في الشوارع يحذرون وفي التلفزيون ينددون!
ألهذه الدرجة من الإفك وفساد الأخلاق انحدر شبابنا؟ أضاعت الهيبة والاحترام من قلوبهم؟ النزول لدرك مساقط الموت حيث كان يعيش المجاذيب!
اجتمع الجهلاء هائجون, حملوا القفف والمعاول وأقسموا ليحطمن هذا الصنم. نزل التلفزيون ليغطي الحدث الكبير, وقطع بث مسلسل الجماهير خصيصا ليرى انتصار الثورة الجديد ضد قوى الاضمحلال المتربصة.
أتوا في شغب ووسط النهار. أهالوا التراب وعفروا البيوت واقتلعوا الأشجار ليسدوا المسقط. وحين غطوه تماما عادوا لبيوتهم آمنين.
لكن في الليل اجتمع حفنة من شباب حول جودة 215. أخذوا ينظرون في وجل لهذا المسقط الصغير الذي حفره. فإذا بصوت الصارخات يعلو والمستنصتين يأتون من كل حين! تعثر جودة215 في الأرض فدفعه أحد المستنصتين بقدمه ليسقط في مسقط الموت وأهال الجهلاء عليه التراب.
*********************************

اليوم العشرون:
كان الأمر مقلقا. الكل ينظر حوله ويرتعب, السؤال يدور في ألسنة الكل ولا يجرؤون على إعلانه.
قيل أن أول من رآه كان رقم 7. وهو قديم كبير ذو مكانة جليلة انشق والتحق بالحركة الأولية.
بعد أن سحق الجهلاء كل جمع من الشباب أراد تأبين جودة215 وقبض المستنصتين على الكثير منهم أصبح الباب مفتوحا للحركة الأولية كي تتحرك وتقوم بما أرادت به دوما: خلع الملك وإنشاء حكما ثوريا يستلهم الارتقاء. لم يعد هناك كثير من شباب يمكن أن يجندهم الملك في جيشه, فأخذ الحركيون يذهبون هنا وهناك بأمر من 7. ولكنه عاد يوما شاحبا يقول أنه رأى في مسقط الموت ميلادا!
أخذت الناس تمر تلقي النظرة وتفر قبل أن يترصدها المستنصتون. بالفعل فالتراب المكوم فوق مسقط الموت يبدو كما لو كان قد تشكل في شكل طفل يولد! أهو القائد؟ أأتى الاضمحلال! حيث يفنى كل شيء وتضيع البلاد وتتحطم؟
رصفوا الشارع بأكمله كي يذهبوا هذه الكومة لكن البلدوزر انكسر حين اصطدم بشجرة قديمة يانعة مورقة. شجرة مذكور في الخرائط أنها متعفنة ميتة لكن البلدوزر حين أتى ليزيلها ضمن ما يزيل انكسر أمام أغصان قوية نبتت فيها!
كيف يكون الاضمحلال والموت ينقلب ميلادا!
*************************************
اليوم الثامن والعشرون:
الأسرار لم تعد تأتي من البيوت, صمّت آذان الحوائط. والفكرة مجنونة, أيكون الناس يحفرون داخل بيوتهم مساقط للموت؟
قيلت الكلمة فدارت بذعر بين القلوب. هجم المستنصتين يدهمون بيتا تلو الآخر. لم يجدوا شيئا
كان كل ما في الأمر أن الناس أصيبت بالبكم. هذا هو كل ما حدث, لم يحفروا مساقط موت ولم يقتلوا الصارخات أو يهدموا مساكنها في الجدران, كان الأمر مريحا للحكام.
لكن الفكرة أعجبت الشاب, لا ندري اسمه لكن ما بقي من بطاقته يقول أنه كان (فلان) 317. أصبح (ولسخرية القدر) بنصف اسم مثله مثل أعضاء الحركة الأولية.

اليوم الثلاثون:
ذهب 317 إلى عمله كموظف مراقب في دار القراءة, ولأنه عمل بلا عمل للموظفين الدائمين فعادة المراقبين الامضاء والرحيل كي لا يشاركوا الدائمين في وجبة البسكويت والشاي المدعم.
خرج .... 317 فاشترى مجرفا وجلس في حديقة الدار وأخذ يحفر, نظر له الناس بلا مبالاة, لم يصرخ فيه أحد (خاصة وقد كثر البكم في البلد) افترض الكل أنه لا يوجد شخص سيأتي ويحفر في وسط الميدان بدون إذن من المديرين.
حين ظهر مسقط الموت وأخذ ....317 يتأمله توقف الناس عن الحركة واحتشدوا حوله مذهولين, ما يحدث كان كأنه السحر الذي لم ير من قبل!
لم يكن فيما يرونه بل ما ما يسمعونه! كانت أصواتهم الضائعة تخرج منه في نغمات غريبة نشاز غير مفهومة لكنها كالسحر ذات فتنة!

كان أبناء الحركة الأولية بالجوار, خشوا من فتنة الناس وهم بين قوسين أو أدنى من الحرية. هم من دفنوه في مسقطه. والقدماء في الحكومة حذفوه من السجلات فلم يعرف اسمه ولم يتبق منه سوى نصف بطاقة و.........
ومجراف!
***************
في الليل سمع الناس أصواتهم الضائعة كأنها عادت لهم لكنها لا تخرج منهم, فتحت النوافذ فرأوا مسقط موت محفور في الطريق!
************

اليوم الخمسين:
أصبح الأمر وباء, أين ذهب مجراف 317 لا أحد يعرف, لكن من أخذه لم يكف عن الحفر حتى انكسر. خرجت جموع الجهلاء والمستنصتين والحركة الاولية تكافح هذا الفساد الذي يخرب الطرقات ويمزق السكون  ويلقي بالبلد لهوة الاستقرار, كما قال المجلس صفر في بيانه عن الحركة الأولية: ليس هذا وقت السياسة وألاعيبها فالبلاد تواجه خطرا محدقا وعلينا التكاتف لإنقاذها. على الملك أن يستجيب بلا نقاش قبل أن تضيع البلد!

لكن رغم العثور على المجراف المكسور لم يتوقف الحفر, منعت أدوات الحفر من البيع وارتفع ثمنها في السوق السوداء لآلاف مؤلفة!
والكارثة أن أتت الصارخات تزف النبأ الكئيب! بعض التجار يمنحونها مجانا لمن يريد حفر مسقط موت!
اتضحت المؤامرة الأجنبية الممولة لإلقاء البلاد في هوة الاضمحلال. كان كفاحا مقدسا صعبا مريرا لأبناء الثورة تجاه هذا السرطان المنتشر.
*****************
أخيرا التقى الخصمان, كان لابد من الوحدة الوطنية, تقرر عقد مؤتمر عام للشعب لمواجهة هذا الخطر, الإشاعات تقول أن الموت لم يعد يسقط فحسب داخل مساقطه بل يفيض في الطرقات يجري بين الناس فتهلل له وتعود أصواتها البكماء حتى يردمه الجهلاء.
دعي الشعب بأكمله وبكل طوائفه للمجلس, احتشدوا في القاعة الكبيرة يقابلون بعضهم البعض لأول مرة منذ انشقاقهم عن بعض بعد الارتقاء, هاهو القدماء يلتئم شملهم ثانية, صوتوا فيما بينهم وأجمعوا أن 7 هو أفضل زعيم يمثل كل جموع الشعب, خرج التلفاز يطنطن بانتصار المعارضة المجيد وعودة الروح الديموقراطية للثورة. لكن البث انقطع, فبينما كان (الشعب) مجتمعا في القاعة حفر البكماء حولها مسقطا للموت خرج منه لسان كبير ففتح له الحرس الأبواب ليلتهم القاعة ومن فيها!
وبدأ أخيرا عهد الاضمحلال إذ مات في ذلك اليوم كل مخلد.

تمت

=============================================